تقدم الفصل:

نحن نستخدم ثلاثة أنواع من التحليلات لتوقع ‏أسعار الفوركس ‏—‏ التحليل الأساسي، التحليل ‏الفني وتحليل توجهات أو آراء أو مشاعر السوق، ‏وهي جميعها مسميات لشيء واحد. ويعتبر تحليل ‏توجهات السوق هو الأكثر غموضاً بين أنواع ‏التحليل الأخرى حيث يرتبط بدراسة سيكولوجية ‏الجماهير. يعترف مضارب الفوركس الأشهر ‏جورج سورس بأن آراء السوق تأتي في المرتبة ‏الأولى من حيث الأهمية، بحسب ما أورده في كتابه ‏الشهير الكيمياء المالية. ‏

يعتمد نجاحنا أو فشلنا في مجال التداول على ‏القدرة على التنبؤ بالتوقعات التي ستسود لاحقاً بأكثر ‏من قدرتنا على الإلمام بالتطورات التي تحدث في ‏عالم التداول الحقيقي.‏

على سبيل المثال، قد يظهر الرسم البياني لزوج ‏الدولار ين وجود السعر في منطقة ذروة البيع، ‏بحسب قراءة جميع المؤشرات الفنية، وقد يظهر ‏التحليل الأساسي أن السعر الحالي أقل بكثير من ‏القيمة الحقيقية ‏—‏ وبرغم ذلك يواصل الدولار ين ‏تراجعه. يعكس هذا المثال بوضوح تفوق تحليل ‏توجهات السوق على ما عداه من طرق التحليل ‏الأخرى. ولا يقتصر الأمر على الدولار ين، بل ‏يمكننا رؤية هذا التأثير بوضوح في أزواج العملات ‏الأخرى مثل الباوند دولار، حيث تتراجع العملة ‏البريطانية بمجرد انصراف المتداولين عنها بغض ‏النظر عن عوامل التحليل الفني أو الأساسي. ‏

تبدو مشاعر السوق في كثير من الأحيان أقرب ‏إلى الحصان الذي ينطلق في طريقه دون أن يلتفت ‏وراءه. وفي أحيان أخرى تبدو أشبه بالأرنب ‏المذعور الذي يتحرك جيئة وذهاباً في كل الاتجاهات ‏خلال فترة وجيزة. يعكس هذا الوصف فكرة أن آراء ‏السوق يمكن أن تتخذ طابع قصير المدى، وفي ‏أحيان أخرى تظل صامدة لشهور طويلة. إحدى ‏المشاكل التي نسعى دائماً لإيضاحها عند تناول ‏تحليل توجهات السوق هو التفرقة بين المدى ‏الزمني. فعلى المدى القصير تبدو توجهات ومشاعر ‏السوق أقرب إلى السحابة العابرة التي لا تدوم ‏طويلاً. ‏

‏ يمكن أن تؤدي توجهات السوق في المدى ‏القصير إلى تحفيز ارتدادات تصحيحية مؤقتة، والتي ‏سرعان ما تتلاشى ليعود السعر بعدها للتحرك في ‏اتجاهه السابق أو ضمن الترند طويل الأجل. يعزى ‏ذلك إلى أن توجهات المتداولين تستند إلى التوقعات ‏والتي بمجرد تشكلها تظل صامدة لفترة طويلة. ‏بعبارة أخرى، من الصعب جداً التخلص من ‏التوقعات القديمة التي تبناها السوق لفترة طويلة. إذا ‏راودتك شكوك بشأن طبيعة توجهات السوق السائدة ‏يمكنك الاطلاع سريعاً على تقرير ‏CFTC‏ عن ‏التزامات المتداولين وأيضاً الرسم البياني. ولكن ‏يجب الحذر لأن هذه المقاييس برغم فائدتها تظل ‏مضللة في بعض الأحيان. في واقع الأمر، لا يمكننا ‏الجزم بحدوث تحول في المشاعر الراهنة قبل أن ‏تفصح هي عن نفسها بمنتهى الوضوح. قد تدوم ‏توجهات السوق تجاه أصل معين لعدة أشهر وقد تمتد ‏إلى سنوات عديدة. ولهذا يمكننا بسهولة رؤية عدد ‏من الاتجاهات طويلة المدى على الأطر الزمنية ‏الكبيرة. انظر إلى الرسم البياني الشهري لليورو ‏أدناه والذي يظهر تحرك العملة الموحدة ضمن مسار ‏صعودي من عام 2000 إلى قرب نهاية 2008. كان ‏هذا الاتجاه الصعودي مستنداً إلى توجهات داعمة ‏لليورو في السوق طوال تلك الفترة. ‏

الرسم ‏البياني الشهري لزوج اليورو دولار 1971-2014‏
الرسم البياني الشهري لزوج اليورو ‏دولار في مطلع ‏‏2014.

تحرك اليورو دولار في مسار صعودي طويل ‏المدى، والذي نجح في تأكيد تماسكه عدة مرات. ‏يمكننا تخمين أن هذا الوضع كان يستند إلى ‏صلاحيات البنك المركزي الأوروبي والذي ‏تركزت جهوده على قضية واحدة هي السيطرة على ‏التضخم، ما أعطى المستثمرون العالميون ثقة كبيرة ‏في تصميم وقدرة صانعي السياسة النقدية على ‏النجاح في مهمتهم. تمتع المركزي الأوروبي بدرجة ‏كبيرة من المصداقية طوال هذه السنوات قبل أن يبدأ ‏بالتفكير في خفض أسعار الفائدة. بمجرد إدراك ‏المستثمرون لهذه الحقيقة بدأ اليورو في التراجع ‏بشكل حاد، حتى برغم أن خفض الفائدة كان يمثل ‏السياسة النقدية الصحيحة للتعامل مع الأوضاع ‏المستجدة. انخفض اليورو في 2013 قبيل قطع ‏البنك المركزي للفائدة في اجتماع نوفمبر ثم عاود ‏الانخفاض في مطلع أبريل 2013 حتى برغم امتناع ‏البنك المركزي عن خفض الفائدة، إلا أن ‏التصريحات التي أظهرت استعداده لاتخاذ هذا ‏القرار متى اقتضت الضرورة كانت كفيلة بإحداث ‏الأثر المطلوب. وحتى برغم عدم وجود أثار ‏تضخمية لقرار خفض سعر الفائدة في ظل تدني ‏معدلاته إلى حدود الصفر في بعض البلدان، بل ‏وتسجيل قيمة سلبية في بلدان أخرى، إلا أن مخاوف ‏المستثمرين العالميين من التضخم كانت كفيلة بدفعهم ‏إلى بيع اليورو على خلفية طرح فكرة خفض الفائدة، ‏على الأقل لفترة وجيزة. برغم ذلك، ظل المتداولين ‏الذين يحتفظون بتوجهات إيجابية تجاه اليورو ‏مستعدين دائماً للعودة إلى السوق وشراء العملة ‏الموحدة بمجرد تغير التوجهات الراهنة. ‏

الخوف من التضخم حتى في ظل اقترابه من ‏الصفر يظهر الطابع غير العقلاني لتوجهات السوق، ‏والتي تستند في بعض الأحيان إلى نماذج أو ‏مصفوفات جامدة قد تشكل توقعاتنا على غير ‏الحقيقة. وحتى برغم أن ردود الفعل التلقائية التي ‏تعقب صدور أخبار جديدة قد تتلاشى لاحقاً بعد ‏فحص وتمحيص البيانات الصادرة بطريقة أكثر ‏تفصيلاً، إلا أن هذا التحليل العقلاني المدروس ليس ‏هو دائماً ما يحرك الأسعار في السوق. نحن نرى ما ‏نتوقع أن نراه، وفي كل الأحوال يظل التحيز السائد ‏مقبولاً لدى معظم المشاركين في السوق حتى وإن ‏صدرت بيانات جديدة تتناقض مع الأفكار السائدة. ‏لهذا قد تسمع في نشرات الأخبار على سبيل المثال ‏أن "الإسترليني تراجع ‏لأن المؤشر ‏الفلاني قد أتى دون التوقعات" أو "تراجع ‏الإسترليني ‏برغم ‏ أن نفس الخبر قد ‏أتى بأفضل من التوقعات." عندما تكون لدى ‏المتداولين نوايا قاطعة لبيع الإسترليني فسوف تفسر ‏جميع البيانات الصادرة في نفس السياق حتى وإن بدا ‏هذا الأمر تعسفياً في كثير من جوانبه.‏

من المهم أيضاً عند تقييم آراء السوق الاعتراف ‏بحقيقة أنها تغذي نفسها بشكل ذاتي ‏—‏ وهو المفهوم ‏الذي يطلق عليه جورج سورس التعارض غير ‏المترابط (حيث يبدو البحث عن العلاقة بين السبب ‏والنتيجة أمر بلا جدوى) – وهو مفهوم لم تتناوله ‏بالدراسة العلوم الاقتصادية والنظرية، كما لن تجده ‏دارجاً على ألسنة الصحفيين. لهذا نكرر دائماً القول ‏بضرورة الحذر عند قراءة الأخبار. نرى في كثير ‏من الأحيان أن بعض القصص الإخبارية في ‏الصحف المالية تؤكد أن توجهات معينة في السوق ‏قد تشكلت أو على وشك التشكل، ثم نكتشف في نهاية ‏المطاف أننا بصدد نوع من التفكير بالتمني أو خلل ‏فكري لدى كاتب الخبر. وبرغم ذلك نرى أن هذا ‏الخبر الذي تنقصه المصداقية قد حظي بقبول واسع ‏لدى المتداولين حتى دون التفكير في مدى صحته أو ‏مصداقيته. ‏

لا يشغل متداول الفوركس الناجح نفسه بمحاولة ‏توقع بعض البيانات الهامة مثل الناتج المحلي ‏الإجمالي أو نمو الأجور أو غيرها من المؤشرات ‏الهامة لقياس قوة الاقتصاد. تقع هذه المهمة على ‏عاتق خبراء الاقتصاد وليس المتداولين. ما يحتاج ‏متداول الفوركس إلى معرفته هو التوقعات السائدة، ‏وما إذا كانت هناك أي مستجدات من شأنها تغيير ما ‏هو قائم بالفعل. أحد الأمثلة على ذلك هو بعض ‏التحليلات المتشائمة التي كانت تعتقد أن الاحتياطي ‏الفيدرالي سيواصل العمل بسياسة التسهيل الكمي لسنوات عديدة. فبعد نهاية الجولة الأولى والثانية ‏من برنامج شراء الأصول بدأ البعض يطلق على ‏السياسة الحالية مصطلح "التسهيل الكمي بلا نهاية". ‏عندما قدم البنك المركزي للأسواق فكرة إبطاء ‏وتيرة برامجه التحفيزية للمرة الأولى في 2013، ‏أخذت هذه التصريحات السوق على حين غرة وهو ‏ما أدى إلى ارتفاع مفاجئ في عوائد السندات ‏الأمريكية. وحتى بعد البدء الفعلي في سياسة تقليص ‏التسهيل الكمي في ديسمبر 2013، اعتقد كثير من ‏المحللين أن الرئيسة الجديدة للاحتياطي الفيدرالي ‏ستكون أكثر ميلاً لنهج التسهيل النقدي من سلفها، ‏وبالتالي قد تقلل من وتيرة تشديد السياسة النقدية أو ‏تؤجل الفكرة تماماً إلى أجل غير مسمى. ما حدث ‏كان العكس تماماً، حيث أكدت محافظة الفيدرالي ‏جانيت يلين على التمسك بسياسة تقليص وتيرة ‏التحفيز النقدي وفق جدول منتظم، بل وحتى فاجأت ‏الجميع بالحديث عن إمكانية رفع سعر الفائدة للمرة ‏الأولى في غضون ستة أشهر من انتهاء البرنامج ‏الحالي، وهو ما خفض من النطاق الزمني المتوقع ‏لرفع سعر الفائدة بعدة أشهر. ‏

تصريحات يلين كسرت الحلقة المفرغة. ولكن ‏كان التفكير العقلاني والهادئ في الاحتياطي ‏الفيدرالي كمؤسسة رأسمالية بالمعني التقليدي من ‏شأنه أن يوصلنا إلى النتيجة التي وصلنا إليها ‏بالفعل. التسهيل الكمي هو إجراء غير اعتيادي حيث ‏يتداخل مع آلية عمل السوق الحرة، ومثل جميع ‏أدوات التدخل الحكومي الأخرى يؤدي إلى تشويه ‏الأسعار. هذه التشوهات السعرية تؤدي بدورها إلى ‏سوء تخصيص الموارد وهو أمر يمثل مصدر قلق ‏لجميع الاقتصاديين في العالم الغربي، والذين يتبنون ‏في معظمهم مفاهيم السوق الحرة. هذا الرأي وهذا ‏الموقف لم يكن ليغيب أيضاً عن أعضاء الاحتياطي ‏الفيدرالي والذين لا يمثلون استثناءً من نظرائهم ‏الغربيين. وبعبارة أخرى لم يكن المركزي الأمريكي ‏ليخاطر بسمعته ومصداقيته لدقيقة واحدة بأكثر مما ‏يستدعيه الأمر، بحسب تقديراته بالطبع. بالعودة إلى ‏تحليلنا السابق لتوجهات السوق، كان لدينا في هذا ‏الموقف توقعات على المدى القصير – وهو مواصلة ‏التسهيل الكمي – إلا أنها تتناقض في نفس الوقت مع ‏التوقعات طويلة المدى – والتي تقضي بالرغبة في ‏التخلص من برامج شراء الأصول في أقرب وقت ‏ممكن. ما كنا نحتاجه في هذا المثال هو نوع من ‏التفكير "المؤسسي" وليس مجموعة متناثرة من ‏التقارير الاقتصادية. ‏

عدم التماثل والتوقعات القديمة

من المدهش أن نرى تشبت المتداولين ببعض ‏الآراء أو التوجهات القديمة حتى بعد أن أظهرت ‏التطورات الأخيرة أنه قد عفا عليها الزمن. استكمالاً ‏للمثال السابق، لم يشفع تغير موقف الاحتياطي ‏الفيدرالي باتجاه إبطاء وتيرة التسهيل الكمي لدى ‏بعض متداولي السندات، حيث لم ترتفع عوائد ‏الديون الأمريكية بالقدر المتوقع استجابةً للموقف ‏الجديد، كما لم يستفد الدولار الأمريكي من التحسن ‏المرتقب في عوائد السندات. لم يتغير الأمر سوى ‏بعد إعلان البنك المركزي الأوروبي نيته خفض ‏سعر الفائدة واعتماد إجراءات تحفيزية جديدة ما أدى ‏إلى تراجع اليورو. هذا النوع من عدم الاتساق في ‏استجابة السوق للتطورات الجديدة يعد أمر شائع ‏للغاية، حيث تعزز الأخبار السلبية من التحيز القائم ‏فيما تفشل الأخبار الإيجابية في تغيير هذا الوضع ‏بسهولة. يتطلب الأمر أحياناً صدور سلسلة متتالية ‏من المعلومات التي تؤكد على تغير الأوضاع ‏السائدة وبالتالي الحاجة إلى تشكيل تحيزات جديدة ‏في السوق. على سبيل المثال، فإن الفارق بين العائد ‏على السندات الأمريكية وسندات اليورو، والذي ‏وصل إلى 100 نقطة أساس، لم يكن كافياً لتراجع ‏زوج اليورو دولار في ظل انتشار المشاعر ‏المناهضة للعملة الخضراء.‏

كيف نعرف أن هناك تغير يحدث في التوجهات ‏القائمة؟ نحن بحاجة إلى دليل جازم وأحد المصادر ‏القليلة المتوفرة في سوق الفوركس هو تقرير ‏CFTC‏ عن التزامات المتداولين. عندما نرى أن ‏صافي مراكز الشراء على اليورو بدأت في التراجع ‏والتحول إلى صافي مراكز بيع، عندها يكون لدينا ‏دليل ‏—‏ ولكن ليس إثبات نهائي. أحد مصادر ‏المعلومات الأخرى حول تغير توجهات السوق هو ‏الرسم البياني. عندما نجد إشارات على تغير الزخم ‏—‏ مثل تسجيل السعر لقمم متصاعدة ولكن دون ‏مستويات إغلاق مماثلة، أو دايفرجنس على مؤشر ‏الماكد أو المؤشرات الأخرى ‏—‏ عندها يمكننا ‏تخمين أن المتداولين بدأوا في التشكك أو الضجر ‏من الأوضاع السائدة. أيضاً تشير مستويات الدعم ‏والمقاومة الرئيسية على الأطر الزمنية الكبيرة إلى ‏النقاط التي شهدت تحول كبير في توجهات السوق. ‏

‏ تكمن المشكلة دائماً في أنه لا يوجد مؤشر ‏يمكن أن يخبرك بالفترة التي ستدوم خلالها الحركة ‏السعرية الجديدة. وبشكل عام يعتبر الحكم على تغير ‏السعر وهل يمكننا اعتباره مجرد حركة تصحيحية أم ‏انعكاس حقيقي أحد المعضلات الدائمة في سوق ‏الفوركس. وهنا يكمن العيب الرئيسي في الاعتماد ‏بشكل مطلق على الرسوم البيانية، والذي يستبعد ‏تماماً تحليل توجهات السوق ويتخذ قرارات التداول ‏بناء على الأحداث والتطورات الظاهرة على الرسم ‏البياني. أما إذا كنت تعتقد بحدوث تغير في توجهات ‏السوق على المدى الطويل بسبب عوامل مؤسسية ‏عندها قد يكون النظر على الرسم البياني هو الخيار ‏الأفضل.‏

اختبار:

1. العامل الأكثر أهمية في سوق الفوركس هو

2. يعتبر تحليل آراء السوق مفهوم غامض ‏للغاية ويصعب قياسه.‏

3. توجهات أو آراء السوق تتخذ طابع

4. يمكن أن تؤثر التقارير والقصص الإخبارية ‏على التوجه السائد في السوق.‏

فعله