تقدم الفصل:

سيكون من المفيد حقاً التعرف على قائمة ‏مختصرة بالعوامل الأساسية التي يضعها متداولي ‏الفوركس المحترفين نصب أعينهم عند اتخاذ قرارات ‏التداول. ولكن ربما تكمن المشكلة في عدم وجود مثل ‏هذه القائمة من الأساس، أو على الأقل عدم وجود ‏قائمة يمكن الاعتماد عليها لفترة طويلة. تتغير قائمة ‏العوامل الهامة بصفة مستمرة بحسب أهمية كل ‏عنصر وترتيبه في قائمة أولويات المستثمرين في ‏لحظة معينة.‏

السبب في هذه الحالة المربكة يتمثل في عدم ‏وجود نظرية موحدة أو متماسكة لتحديد أسعار ‏الصرف. وضع علماء الاقتصاد الأكاديميون نظرية ‏شاملة لتفسير سعر الصرف ولكنهم تركوا تحديد سعر ‏الصرف ذاته مطية لأهواء السوق، والذي يسير دائماً ‏خلف بعض الجالسين في برجهم العاجي يكتبون ما ‏يرون أنه هو الحقيقة. هذا الانفصال بين النظرية ‏والتطبيق يصل منتهاه في سوق الفوركس مقارنة مع ‏باقي الأسواق الأخرى. ستجد على الأقل في أسواق ‏الأسهم والسلع صورة واضحة عن العوامل المحركة ‏للعرض والطلب، بينما ستكون مهمتك أكثر صعوبة ‏في سوق الفوركس. ‏

فشل النظرية رقم 1 – تعادل القوة ‏الشرائية

سيتعين علينا البدء مع قانون "السعر الواحد"، ‏والذي يطلق عليه أيضاً ‏ تعادل القوة ‏الشرائية. ينص هذا المفهوم على أن العملة ’أ‘ ‏يجب أن تتداول في وضع التوازن مع العملة ’ب‘ عند ‏سعر الصرف الذي يحقق التعادل بين التدفقات ‏التجارية والاستثمارية. إذا عانت العملة ’أ‘ من ارتفاع ‏التضخم فإن هذا سيجعل من سلعها أكثر تكلفة بالنسبة ‏للمشترين في بلد العملة ’ب‘ وبالتالي سوف تنخفض ‏صادراتها ما يفضي في نهاية المطاف إلى عجز ‏الميزان التجاري. في نهاية المطاف، سيفضل ‏المستثمرون والمصرفيون عدم تمويل ارتفاع هذا ‏العجز وبالتالي ستضطر البلد ’أ‘ إلى استخدام ‏احتياطياتها لتمويل الواردات. وفي ظل أسعار ‏الصرف الثابتة، ستضطر البلد ’أ‘ إلى خفض قيمة ‏عملتها لاستعادة ميزتها التنافسية في مجال التبادل ‏التجاري. تنطبق هذه الحالة على معظم عملات ‏الأسواق الناشئة والتي تتداول عملاتها عادةً وفق نظام ‏سعر الصرف الثابت أو التعويم المدار. ‏

في ظل أسعار الصرف الحرة، وهو النظام ‏المطبق في معظم الاقتصادات الكبرى اليوم، لن ‏يواصل المستثمرون والبنوك تمويل عجز الميزان ‏التجاري إلا إذا حصلوا على تعويض مناسب في شكل ‏معدلات عائد مرتفعة للغاية (أسعار الفائدة). تؤثر ‏معدلات العائد المرتفعة على الاقتصاد المحلي في ‏البلد ’أ‘ حيث تؤدي إلى خنق الطلب وزيادة التضخم. ‏وفي نهاية المطاف، ستعود سلة السلع في البلد ’أ‘ إلى ‏وضع التكافؤ السعري مع نفس السلة من السلع في ‏البلد ’ب‘. ‏

يطلق على هذه النظرية تعادل القوة الشرائية ‏وهي تقدم مفهوم منطقي وقابل للتطبيق. تنشر مجلة ‏‏ الإيكونوميست ‏ كل عام ‏جدول مقارنة القوة الشرائية ‏لوجبة البيج ‏ماك والتي تظهر القيمة التي يجب ‏أن تساويها العملات مقابل الدولار الأمريكي لتحقق ‏التوازن في سعر وجبة البيج ماك (وجبة ماكدونالدز ‏الشهيرة المكونة من شطائر لحم البقر) في 80 بلد. ‏يمكنك رؤية عملات البلدان المقومة بأعلى أو بأقل ‏من قيمتها الحقيقية في مقابل أربعة عملات رئيسية ‏‏(الدولار، الجنيه الإسترليني، اليورو والين) وكذلك ‏أمام اليوان الصيني.‏

تتلخص الفكرة على النحو التالي: إذا كان سعر ‏وجبة البيج ماك أعلى في البلد ’أ‘، فهذا يشير إلى أن ‏عملتها مقومة بأعلى من قيمتها الحقيقية. أما إذا كانت ‏تكلفة الوجبة أقل في هذا البلد، فإن تلك إشارة على أن ‏عملتها مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية. سترى في ‏كثير من الأحيان أن العملة المبالغ في قيمتها قد ‏انخفضت في العام التالي والعكس صحيح بالنسبة ‏للعملة المقومة بأقل من قيمتها. تقوم المنظمات الدولية ‏مثل ‏البنك ‏الدولي ‏ بحساب تعادلات القوة الشرائية، وهو ‏ما تقوم به أيضاً بعض البنوك الكبرى. تواظب ‏المفوضية الأوروبية أيضاً على ‏‏اقتفاء القوة ‏الشرائية‏ لتتبع مدى تقارب الأسعار ‏في بلدانها الأعضاء كهدف رئيسي.‏

تكمن المشكلة الأساسية في نظرية تعادل القوة ‏الشرائية في أن التوازن المرجو ليس سوى خيال في ‏عقول أصحابه. لا يصل الاقتصاد أبداً إلى حالة من ‏التوازن، فهو بالأساس وضع لا يمكن إدراكه في ‏العالم الحقيقي. السبب في ذلك هو أن كل بلد تتمتع ‏بميزات تنافسية مختلفة وبالتالي سترتفع أو تنخفض ‏تكلفة بعض السلع أو الخدمات من وقت لآخر. على ‏سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة دائماً إنتاج ‏الحبوب بتكلفة أقل من اليابان بفضل مزارعها ‏الضخمة ووفورات الحجم التي يمكن تحقيقها هناك. ‏بالمثل، تتمتع الاقتصادات الناشئة في آسيا، بما في ‏ذلك الصين، بانخفاض تكاليف العمالة في صناعات ‏النسيج وبعض المجالات الأخرى. سيستغرق ‏الوصول إلى حالة التوازن عقود طويلة، هذا إن كان ‏بالإمكان الوصول إليها من الأساس. لهذا ستجد أن ‏بعض البلدان تسيطر على صناعات بعينها مثل ‏تصنيع الشامبانيا في فرنسا والآلات الصناعية ‏والهندسية الدقيقة في ألمانيا، حتى وإن كان هذا ‏الوضع قد يتغير من وقت لآخر. على سبيل المثال، ‏يعود الفضل إلى الولايات المتحدة في اختراع صناعة ‏السيارات والتي بلغت ذروتها في عقد الستينات، ولكن ‏ستلاحظ اليوم أن إنتاج ألمانيا من السيارات يفوق ‏الولايات المتحدة حتى برغم أن عدد سكانها لا يتجاوز ‏ربع سكان الولايات المتحدة. ستكتشف أيضاً صعوبة ‏في إيجاد علاقة بين تغير الوزن النسبي لكلاً من ‏الولايات المتحدة وألمانيا في صناعة السيارات وسعر ‏الصرف حيث أن سعر صرف العملة الألمانية، سواء ‏المارك أو اليورو، كان دائماً يسير في اتجاه صاعد ‏ومع ذلك ارتفع إنتاجها من السيارات. وفق نظرية ‏تعادل القوى الشرائية، كان من المفترض ألا تحدث ‏هذه الطفرة في الصادرات الألمانية. ‏

وعلاوة على ذلك، نحن لا نعرف على وجه ‏التحديد ما الذي نقيسه بالضبط. بعبارة أخرى، ما هي ‏سلة السلع النموذجية؟ تختلف سلة السلع الخاصة ‏بشركة صناعية متوسطة أو تلك التي تستهلكها الأسر ‏في اليابان عن نظيرتها في فرنسا أو بريطانيا أو ‏الولايات المتحدة. أيضاً فإن أي محاولة لخلق تقارب ‏بين هذه السلال سيشوبها العديد من العيوب الواقعية ‏مثل الاختلاف في الجودة. على سبيل المثال، تشهد ‏الولايات المتحدة عودة الاهتمام بالسلع الحرفية ‏والمنتجات المصنعة محلياً من الصابون المطحون ‏إلى المنسوجات اليدوية. في سياق آخر، يؤمن ‏اليابانيون أن الأرز المزروع محلياً يمتلك مواصفات ‏لا يمكن أن تتوافر في الأرز الأمريكي أو أي نوع ‏آخر. في هذه الحالة تأتي الجودة في مرتبة متأخرة ‏لهذه العوامل. ‏

ويتمثل أحد العوامل الأخرى في صعوبة تبادل ‏الخدمات عبر الحدود. على سبيل المثال، وجبات ‏المطاعم، حلاقة الشعر، قص الأعشاب وغيرها من ‏الخدمات تظل مقتصرة على الاقتصاد المحلي ولا ‏يمكن تخيل استيرادها من الخارج. لاحظ أن هذه ‏الخدمات تشكل أكثر من 65% من الاقتصاد ‏الأمريكي. وبالتالي لن يؤثر ارتفاع الدولار أو ‏انخفاضه على الرواتب أو التكاليف الأخرى لإنتاج ‏هذه النوعية من الخدمات. ‏

وأخيراً، حققت اليابان فائض في الميزان ‏التجاري مع الولايات المتحدة وبقية العالم لأكثر من ‏ثلاثة عقود، وحتى وقت قريب، وبرغم ذلك ارتفع ‏سعر صرف ‏USD/JPY ‏ من 300 ين إلى نحو 100 ‏ين منذ عام 1995. كان من المفترض أن يشير هذا ‏الفائض التجاري إلى أن تصخم قيمة الين بشكل غير ‏واقعي، والذي برغم ذلك واصل ارتفاعاته بصورة ‏مطردة ولم يتراجع في أي وقت. الفشل في إحداث ‏توازن الميزان التجاري أو سعر صرف العملات مثل ‏فشل كبير لنظرية تعادل القوى الشرائية عند تطبيقها ‏في العالم الحقيقي. ‏

هل يهتم المتداولون حقاً بتعادل القوة الشرائية؟ ‏كلا. وبرغم أن الأمر قد يثير الفضول ولكننا نشك ‏كثيراً في أن هناك من يلجأ إلى التداول استناداً إلى ‏مؤشر البيج ماك. برغم ذلك، دعنا نذكر إحدى ‏المساهمات الهامة التي أدخلت مؤخراً على هذا ‏المؤشر. في فبراير 2014، أضافت مجلة ‏الإيكونوميست ‏‏الدونج الفيتنامي‏ الى قائمة عملات ‏المقارنة.‏

إدخال الدونج ‏الفيتنامي إلى مؤشر البيج ماك اعتباراً من فبراير ‏‏2014
‏الدونج الفيتنامي عند إضافته إلى مؤشر البيج ماك. ‏الصورة من الإيكونوميست .

فيما يلي ما قالته المجلة عن الدونج:‏

بالنظر إلى أن سعر وجبة البيج ماك كان يبلغ ‏‏60,000 دونج، أو 2.84$ وفق أسعار صرف ‏السوق، مقارنة مع 4.62$ في الولايات المتحدة، كان ‏المؤشر يرى أن الدونج بتداول أقل بنسبة 39% من ‏قيمته الحقيقية أمام الدولار الأمريكي. حافظت العملة ‏الفيتنامية، والتي ترتبط ارتباط وثيق بالدولار ‏الأمريكي، على استقرارها منذ يونيو بعد قرار البنك ‏المركزي بخفض قيمة الدونج بنسبة 1% أمام الدولار ‏بزعم تحسين ميزان المدفوعات. ساعد إبقاء سعر ‏الصرف عند معدلات منخفضة على دعم الصادرات ‏الفيتنامية وهو ما أسهم في عودة الميزان التجاري ‏للبلاد إلى تحقيق فائض في 2012. تحسن العوامل ‏الاقتصادية كان من المفترض أن يقدماً دعماً للعملة ‏الفيتنامية خصوصاً مع انخفاض التضخم من نحو ‏‏30% في 2008 ليتراوح ما بين 5-6%. ‏


خلال العام الماضي، ارتفع عجز الميزان ‏التجاري لفيتنام مع الصين، والتي تعد أكبر شركائها ‏التجاريين، بنسبة 45%. وبالتالي، وفق حسابات ‏المؤشر يعتبر الدونج حالياً مقوم بأعلى من قيمته ‏الحقيقية أمام اليوان الصيني بنسبة 4%.‏

يبدو هذا المزيج مربكاً إلى حد كبير حيث يرى ‏المؤشر أن هناك مبالغة في تقييم الدونج أمام الدولار ‏‏(وهو ما يساعد في زيادة الصادرات إلى الولايات ‏المتحدة) ولكنه مقوم بأقل من قيمته أمام اليوان ‏الصيني والذي أدى إلى ظهور عجز في ميزان ‏التبادل التجاري مع الصين. ما هو الشيء الذي ‏سنحتاج إلى معرفته؟ إذا كان اليوان مقوم بأقل من ‏قيمته بنسبة 41%، فإن هذا سيدفعنا إلى التساؤل عن ‏الاتجاه الذي يسلكه زوج الدولار الأمريكي مقابل ‏اليوان الصيني؟ اتخذ هذا الزوج مسار هبوطي منذ ‏فبراير 2014 حيث واصل اليوان الارتفاع أمام ‏العملة الأمريكية. ولكن خلال فبراير ومارس 2014، ‏قررت الحكومة الصينية تحرير سعر الصرف بشكل ‏جزئي في كلا الاتجاهين (أي السماح بارتفاع ‏وانخفاض قيمة العملة)، كما زادت من نطاق التغير ‏المسموح به. وفق نظرية تعادل القوة الشرائية، من ‏المفترض أن تلجأ الحكومة الفيتنامية إلى تخفيض ‏قيمة الدونج بوتيرة أسرع من تخفيض الصين لقيمة ‏اليوان بهدف معالجة العجز التجاري مع بكين، وذلك ‏حتى برغم تحقيق فائض كبير في الميزان التجاري ‏مع الولايات المتحدة والانخفاض الكبير في معدلات ‏التضخم، أي لا يوجد مبرر لتخفيض لقيمة الدونج ‏أمام الدولار. بعبارة أخرى، أصبح الصينيون بحق ‏صداع لا ينتهي في رأس المسئولين عن الاقتصاد ‏الفيتنامي. ‏

يمكنك أن تستنتج من هذا المثال أن نظرية تعادل ‏القوة الشرائية ستكون أكثر فائدة عند تقييم عملات ‏الأسواق الناشئة والنامية مقارنة مع عملات ‏الاقتصادات المتقدمة، وهذا رأي صائب بالفعل. إذا ‏كنت تخطط لتداول هذه العملات فمن المقبول إتباع ‏الدراسات المعنية بتعادل القوى الشرائية، ولكن لن ‏يجدي نفعاً استخدام هذه النظرية عند تداول العملات ‏الرئيسية. ‏

النظرية غير المكتملة رقم 2 – أسعار الفائدة ‏النسبية ‏

هناك افتراض آخر يطرحه الأكاديميون ولكن لا ‏يلقى قبول واسع بين المتداولين ويتلخص في أن ‏أسعار الفائدة، أو العائد على الأموال، ستكون "بطبيعة ‏الحال" متساوية في أي مكان. إذا كانت تكلفة ‏الحصول على الأموال مرتفعة في بلد ما، فإن هذا ‏سيعزى إلى أن المستثمرون الدوليون يتوقعون ‏انخفاض قيمة عملة هذا البلد أمام العملات الأخرى ‏وهو ما سيؤدي إلى استعادة التوازن، أو هكذا تزعم ‏النظرية. في هذه الحالة يجب أن تتساوى الفائدة ‏الأساسية في البلد ’أ‘ دائماً مع نظيرتها في البلد ’ب‘، ‏وهذا هو ما يطلق عليه نظرية تعادل سعر الفائدة. ‏

يبدو افتراض بعض علماء الاقتصاد بأن الغرض ‏الرئيسي من تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود هو ‏إحداث التوازن بين أسعار الصرف أمرأ يثير ‏السخرية في بعض جوانبه. في واقع الأمر، يسعى ‏المستثمرون الدوليون إلى تحقيق عائدات أعلى من ‏العمل في الأسواق الخارجية ‏‏ حتى برغم ‏‏‏ إدراكهم بأن هذه التدفقات قد تؤدي في نهاية ‏المطاف إلى تغيير سعر الصرف في غير صالحهم. ‏السبب في الزعم بخطأ افتراض تعادل أسعار الفائدة ‏يكمن في تجاهل المخاطرة النسبية في كل سوق، ‏حيث أن تحليل المخاطر يأخذ في اعتباره العديد ‏العوامل الأخرى مثل التنوع وتفضيلات السيولة. ‏الأسباب التي تجعل من الولايات المتحدة وجهة ‏مفضلة للمستثمرين لا تقتصر على حجم الاقتصاد ‏وسيادة القانون، بل تشمل أيضاً الحجم الهائل للأسواق ‏فضلاً عن تنوع الأدوات الاستثمارية والمخاطر ‏المرتبطة بكل منها. ‏

‏ من الواضح أن فكرة موازنة أسعار الفائدة لن ‏تكون كافية لإثارة حماس المستثمرين، ولكن تظل ‏النظرية صالحة على الأقل في بعض الأوقات. إذا ‏بقيت جميع العوامل الأخرى على حالها (مثل معدلات ‏النمو والتضخم)، فسوف يؤدي رفع سعر الفائدة في ‏البلد ’أ‘ مقارنة مع سعر الفائدة في البلد ’ب‘ إلى دفع ‏العملة ’أ‘ إلى التراجع وهو ما سيبقي المعدل ‏الإجمالي للعائد متساوياً بشكل أو بآخر عند الأخذ في ‏الاعتبار التأثيرات الناجمة عن تغيرات سعر ‏الصرف. من الناحية التاريخية، سنلاحظ وجود فترات ‏طويلة من اختلاف أسعار الفائدة المرتبطة ببعض ‏أزواج العملات. هل تتذكر التناقض بين نظرية تعادل ‏القوى الشرائية وزوج ‏USD/JPY؟ يمكن حل هذا ‏التناقض عند النظر على منحنى الاختلاف في سعر ‏الفائدة للسندات اليابانية/الأمريكية لأجل 10 سنوات ‏مقارنة مع سعر صرف ‏USD/JPY‏. معامل الارتباط ‏في هذه الحالة كان مرتفعاً للغاية وهو ما ينطبق أيضاً ‏على العلاقة بين أزواج ‏GBP/USD‏ و EUR/USD‏ ‏وغيرها من أزواج العملات الرئيسية. ‏

أحد الألغاز المثيرة في العصر الحديث، والذي ‏يكتظ بفيض هائل من المعلومات، أن لا أحد يقدم على ‏نشر الاختلافات بين أسعار الفائدة كسلسلة من البيانات ‏القائمة بذاتها. يمكنك بالطبع الحصول على أسعار ‏الفائدة لجميع آجال استحقاق السندات الخاصة بكل بلد ‏ولكن سيتعين عليك إجراء المقارنات بنفسك.‏

أحد الافتراضات التي تساعد على تنقيح نظرية ‏تعادل الفائدة هو اللجوء إلى العائد على السندات لأجل ‏‏10 سنوات باعتباره المؤشر الحقيقي لسعر الفائدة في ‏الأوقات الهادئة. أما في حالات الاضطراب ‏الاقتصادي، مثل ‏‏‏الأزمة المالية العالمية 2007-2008، يصبح ‏الاختلاف بين عوائد السندات لأجل عامين هو ‏المؤشر الأكثر تفضيلاً. ‏

‏ ‏

الاختلاف في النوع – تجارة الكاري ‏تريد

من الضروري الانتباه إلى أن العوامل المفسرة ‏للعلاقات بين العملات الرئيسية في الاقتصادات ‏المتقدمة تختلف تماماً عن نظيرتها في الأسواق ‏الناشئة. لا يقتصر الفارق على الحجم بين كلا الفئتين ‏‏– بل يمتد إلى الاختلاف في النوع. يقودنا هذا إلى ‏الحديث عن متداولي الكاري تريد (تجارة المناقلة) ‏وهي فئة تستهدف الاستفادة من الاختلاف في أسعار ‏الفائدة عن طريق الاقتراض بعملة بلد متقدمة ‏واستخدامها لتمويل الاستثمار في أسواق ناشئة ذات ‏عوائد أعلى. في هذه الحالة لا يوجد غرض آخر ‏لشراء عملة السوق الناشئة سوى الاستفادة من ارتفاع ‏سعر العائد عليها، وبالتالي كلما ارتفع سعر الفائدة ‏كلما زادت جاذبية العملة، ولكن بالطبع ضمن حدود ‏معينة. على سبيل المثال، قد يفضل المستثمر ‏الاستفادة من عائد قدره 8% في تركيا ويتخلى عن ‏عائد أكبر في نيجيريا قد يصل إلى 38% بسبب ‏المخاطر السياسية أو مخاطر الاحتيال أو مصادرة ‏الممتلكات أو الأخطاء المحاسبية أو غيرها من ‏المشكلات سواء الحقيقية أو المتصورة. ‏

يقودنا هذا إلى ملاحظة أن شهية المخاطرة تعمل ‏وفق مقياس متدرج. متداول الكاري تريد هو بحكم ‏التعريف مضارب يبحث عن عائد أعلى من العائد ‏الذي يمكن أن يحققه في موطنه وبالتالي يصبح ‏مستعداً لتحمل مخاطر أكبر للحصول على هذا العائد، ‏بما في ذلك مخاطر انخفاض قيمة استثماراته بالعملة ‏الأجنبية والتي قد تؤدي إلى محو ميزة ارتفاع العائد. ‏في الأوقات التي تشهد هدوء نسبي، ترتفع شهية ‏المخاطرة وبالتالي يزداد تدفق رؤوس الأموال إلى ‏الأسواق الناشئة والتي تمولها عملات منخفضة التكلفة ‏مثل الدولار الأمريكي أو الفرنك السويسري أو الين ‏الياباني.‏

ومن المفارقات أن تدفقات رؤوس الأموال إلى ‏الأسواق الناشئة يصاحبها عادةً تأثيرات ضارة حيث ‏تؤدي إلى ارتفاع قيمة العملة، وليس انخفاضها، ‏بحسب ما تقتضيه نظرية تعادل أسعار الفائدة. على ‏سبيل المثال، عانت البرازيل بشدة بعد خفض ‏الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة سعر الفائدة ‏إلى الصفر بسبب تدفق الأموال الساخنة إلى الاقتصاد ‏البرازيلي وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم ‏وأيضاً سعر صرف العملة المحلية، ما أضر في نهاية ‏المطاف بالصادرات البرازيلية. استخدم وزير المالية ‏البرازيلي آنذاك مصطلح "حرب العملات" أثناء ‏اجتماع مجموعة العشرين في عام 2010. حقق ‏متداولي الكاري تريد خلال هذه الحقبة مكسب مزدوج ‏عن طريق الاستفادة من ارتفاع العائد وأيضاً ارتفاع ‏قيمة الريال البرازيلي.‏

تكمن المشكلة الرئيسية في تجارة الكاري تريد ‏في اعتقاد المتداولين بأن أي انخفاض في قيمة العملة ‏سيكون أقل من العوائد الإضافية التي سيحصلون ‏عليها. ولكن لا يسير الأمر على هذا المنوال دائماً، ‏حيث تؤدي فترات الاضطراب المفاجئة، كما حصل ‏إبان الأزمة المالية العالمية 2007-2008 ومرة ‏أخرى في الربع الأول من 2014 خلال ‏الحرب الروسية الأوكرانية بسبب النزاع ‏على إقليم القرم إلى عزوف المستثمرين عن ‏المخاطرة وهو ما أدى إلى انخفاض حاد في قيمة ‏عملات الأسواق الناشئة بالتوازي مع هروب الأموال ‏الساخنة – وذلك حتى في غياب أي تغير في ‏الاختلافات القائمة بين أسعار الفائدة. أيضاً قد يواجه ‏المتداول الذي يقترض بالين الياباني لتمويل ‏استثماراته ارتفاع كبير في قيمة العملة اليابانية ‏والعائد على سنداتها بالتوازي مع عودة الأموال ‏المهاجرة. ‏

توجهات المخاطرة

قد نقبل حقيقة أن العالم مقسم إلى بلدان متطورة ‏ذات معدلات نمو متباطئة وأسعار فائدة منخفضة، ‏ولكن مستقرة، وبين أسواق ناشئة تتمتع بارتفاع ‏معدلات العائد والنمو. برغم ذلك، يمكن أن تحذو ‏إحدى البلدان المتقدمة حذو الأسواق الناشئة إذا ‏ارتفعت توقعات المخاطرة إلى مستويات قصوى. ‏دعنا نأخذ مثال خفض البنك المركزي الأوروبي ‏لسعر الفائدة في مناسبتين مختلفتين. ‏‏‏في نوفمبر 2011، قرر المركزي الأوروبي ‏خفض سعر الفائدة ولكن بدلاً من شراء اليورو، كما ‏تفترض نظرية التعادل، لجأ المستثمرون إلى بيع ‏العملة الموحدة. لم يأتي انخفاض قيمة اليورو بسبب ‏قطع سعر الفائدة، كما قد يبدو من الوهلة الأولى، أو ‏حتى بسبب تحوله إلى عملة تمويل لصفقات الكاري ‏تريد (حتى برغم حدوث ذلك في بعض الأحيان)، ‏ولكن كان السبب الحقيقي يتمثل في اتساع المخاوف ‏من أزمة الديون السيادية في البلدان الطرفية. خلال ‏هذه المرحلة شهدت العوائد على سندات البلدان ‏الطرفية ارتفاع هائل مقارنة مع نظريتها على ‏السندات الأمريكية أو ‏‏الألمانية‏ بسبب رغبة المستثمرون في الحصول ‏على فائدة مرتفعة لتعويض مخاطر انهيار منطقة ‏اليورو والتي كانت تلوح في الأفق خلال تلك الفترة. ‏

‏ ‏

‏ دعنا الآن ننظر إلى قرار البنك المركزي ‏الأوروبي بخفض سعر الفائدة مرة أخرى في ‏نوفمبر 2013‏. خلال تلك الفترة كانت أزمة ‏الديون السيادية قد قاربت على الانتهاء حيث أصبح ‏بمقدور إيرلندا العودة إلى سوق السندات العامة ‏بالتوازي مع ارتفاع الطلب وانخفاض الفائدة. كما ‏نجحت البرتغال وإسبانيا وإيطاليا في إصدار سنداتها ‏الخاصة دون مشاكل وبأسعار فائدة معقولة وهو الأمر ‏الذي لم يكن متاحاً لسنوات طويلة. كانت جميع وسائل ‏الإعلام العالمية تتحدث آنذاك عن انتهاء أزمة الديون ‏السيادية في البلدان الطرفية ولهذا شهدنا ارتفاع قيمة ‏اليورو حتى برغم خفض البنك المركزي لسعر ‏الفائدة. ‏

تداخلت توجهات المخاطرة بعمق مع نظرية ‏تعادل سعر الفائدة في 2011. أما في 2013، تحققت ‏النظرية بحذافيرها حيث فسرت التوازن بين أسعار ‏الفائدة عبر الحدود. وبالتالي يمكن القول أن تنقيح ‏نظرية تعادل أسعار الفائدة عن طريق إدماج ‏اعتبارات المخاطرة سيؤدي إلى تحسين نتائج النظرية ‏وإكسابها قدر أكبر من المصداقية. ولكن كما هو ‏الحال مع الحالات الأخرى، يظل الافتراض ببقاء كافة ‏العوامل الأخرى على حالها أمراً محورياً حتى برغم ‏صعوبة تحققه.‏

التضخم

بدأنا هذه المقالة بالحديث عن التضخم في حالة ‏تعادل القوى الشرائية والقول بأنها ستؤدي إلى ‏انخفاض قيمة العملة. يعزى ذلك إلى أن أي شخص، ‏سواء كان مستثمر أو مستهلك، لن يرغب في ‏الاحتفاظ بأصول تتناقص قيمتها. سيهرول ‏المستثمرون إلى إنفاق العملات منخفضة القيمة، ‏الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الانخفاض، كما سيلجأ ‏المستثمرون إلى الخروج من صفقاتهم الشرائية على ‏تلك العملة بحثاً عن عوائد "حقيقية" أعلى بعد استبعاد ‏التضخم. ‏

دعونا نتعرض الآن إلى النظرية النقدية ‏للاقتصادي الشهير ‏ميلتون فريدمان ‏ والتي ‏تؤكد على أن التضخم هو ظاهرة نقدية. يبني فريدمان ‏افتراضاته على أفكار ‏إيرفينج فيشر وهو أستاذ اقتصاد ‏في جامعة شيكاغو كان يرى أن المعروض النقدي ‏مضروباً في معدل دوران النقود سيساوي الناتج ‏المحلي الإجمالي مضروباً في معدل التضخم. خلاصة ‏هذا الافتراض ترى بأن ارتفاع المعروض النقدي في ‏الاقتصاد سوف يؤدي إلى ارتفاع التضخم. بعد أن ‏حظيت النظرية النقدية بقبول واسع خلال عقد ‏الستينات، ظلت الأسواق المالية لعقود طويلة تراقب ‏التضخم باعتباره المؤشر الرئيسي للتنبؤ بقرارات ‏الفائدة التي تتخذها البنوك المركزية. تعززت هذه ‏الرؤية خلال ولاية بول فولكر كرئيس للاحتياطي ‏الفيدرالي بين عامي 1979 و1980، حيث لجأ إلى ‏رفع سعر الفائدة لمرات عديدة بهدف كبح جماح ‏التضخم. ونجحت سياسة فولكر بالفعل في إعادة ‏معدلات التضخم إلى مستويات مقبولة. ‏

منذ ذاك الحين والمحللون الماليون يراقبون عن ‏كثب معدلات التضخم باعتبارها المؤشر الأكثر أهمية ‏للتنبؤ بالقرارات المقبلة للبنوك المركزية. عندما ‏تكون معدلات التضخم منخفضة يصبح الافتراض ‏الأرجح هو إبقاء البنوك المركزية على أسعار الفائدة ‏دون تغيير. أما في حالة ارتفاع التضخم يتوجه ‏التفكير صوب رفع سعر الفائدة. اليوم، ونحن في ‏‏2016، لدينا مشكلة معاكسة حيث تنخفض أسعار ‏الفائدة في الوقت الذي تشهد فيه الاقتصادات الرئيسية ‏معدلات تضخم متدنية تصل إلى حد الكساد. وبالتالي ‏يظل الافتراض السائد هو اتخاذ مزيد من إجراءات ‏خفض الفائدة خصوصاً وأنه منذ الأزمة المالية ‏العالمية 2007-2008، لم يخاطر سوى عدد قليل من ‏البلدان المتقدمة برفع سعر الفائدة. ‏

العوامل الأخرى المؤثرة على البنوك ‏المركزية

حين بدأ الاحتياطي الفيدرالي في خفض سعر ‏الفائدة خلال الأزمة المالية العالمية 2007-2008، لم ‏يكن الدافع وراء هذا القرار هو انخفاض التضخم. ‏كان السبب الحقيقي هو التباطؤ الشديد في معدلات ‏النمو وبدرجة دفعت الاقتصاد سريعاً إلى الوقوع في ‏براثن ‏الكساد الكبير‏. كان من ‏المفترض أن يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى إنعاش ‏الاقتصاد ودفع عجلة الإنتاج إلى الدوران مرة أخرى. ‏ولكن في هذا المثال كان السبب في الأزمة هو فشل ‏بعض المؤسسات المالية وما تلاه من انهيار سوق ‏الإسكان في الولايات المتحدة. في أوروبا، لجأت ‏البنوك المركزية إلى خفض سعر الفائدة على الأقل ‏بشكل جزئي نتيجة أزمة الديون السيادية في بعض ‏البلدان الهامشية. برغم ذلك، ستظل بعض البنوك ‏المركزية راغبة في رفع سعر الفائدة لتحجيم ‏المضاربات التي قد تؤدي بدورها إلى فقاعات سعرية ‏في بعض فئات الأصول.‏

خلاصة القول أن التضخم قد يكون هو المحرك ‏الرئيسي لعملية صنع القرار في البنوك المركزية، ‏ولكنه لن يكون أبداً هو العامل الوحيد. يحتاج متداولي ‏الفوركس عند التنبؤ بنوايا البنك المركزي إلى مراقبة ‏العامل الأكثر أهمية خلال الفترة الحالية سواء كان ‏مرتبطاً بمعدلات البطالة أو أسعار المنازل أو ‏استقرار المؤسسات المالية أو القدرة على سداد الديون ‏السيادية وما إلى ذلك. لهذا السبب أشرنا في بداية هذا ‏الدرس إلى أن متداولي الفوركس يتبعون قائمة ‏متغيرة باستمرار من العوامل الأساسية لا تقتصر ‏على العجز في الميزان التجاري أو التباين في أسعار ‏الفائدة. ‏

يتابع المتداولون أرقام الميزان التجاري ومعدلات ‏التضخم للحصول على نظرة عامة تقريبية حول كيفية ‏تسعير العملة وفق مؤشر تعادل القوى الشرائية، ‏ولكن لن تجد أبداً أي متداول محترف يستخدم هذا ‏المفهوم في وضع صفقاته. يراقب المتداولون التضخم ‏كمؤشر أكثر دلالة على السياسة النقدية للبنك ‏المركزي في المستقبل بالنظر إلى أن رفع الفائدة ‏يؤدي إلى تراجع العملة كعامل توازن. ولكن لا ‏يتحقق هذا التوازن سوى في حالات معينة وحتى في ‏فترات بعينها حيث يتعذر الحصول على بيانات حول ‏اختلاف أسعار الفائدة بسهولة، حتى وإن كان هذا ‏الاختلاف قد يكون هو العامل الثابت والأكثر أهمية ‏في خضم هذا البحر المترامي من البيانات التي تأتي ‏من كل حدب وصوب. ‏

اختبار:

1. تفترض نظرية تعادل القوة الشرائية أن أسعار ‏نفس السلع والخدمات يجب أن تكون واحدة في جميع ‏البلدان.‏

2. يعتبر الدونج الفيتنامي ‏

3. خلال الأوقات الهادئة، ينظر المستثمرون إلى ‏الاختلاف في سعر فائدة السندات ‏

4. يشير مصطلح "حرب العملات" إلى‏

5. يبحث متداول الكاري تريد عن

6. أفضل مؤشر على نوايا البنك المركزي هو ‏

7. من المفترض أن يؤدي رفع سعر الفائدة إلى

فعله