السياسة النقدية للمبتدئين

تقدم الفصل:

تعتبر السياسة النقدية للبنوك المركزية الكبرى هي العامل الأكثر أهمية في تفسير التحركات التي تحدث في سوق الفوركس. بدوره، يعتبر التضخم هو العامل الأكثر تأثيراً على السياسة النقدية.

بالتأكيد سمعت من قبل عبارة أن "التضخم هو دائماً وأبداً ظاهرة نقدية." هذه العبارة وردت على لسان رائد المدرسة النقدية في الاقتصاد، ميلتون فريدمان. قام فريدمان بصقل وتوسيع نطاق الأعمال السابقة لأستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو إيرفينغ فيشر. قدم فيشر فكرة جديدة أطلق عليها "معادلة سعر الصرف"، والتي تؤكد أن عرض النقود (M) مضروباً في سرعة دوران النقود (V) يساوي مستوى السعر (P) مضروباً في حجم التجارة أو الناتج المحلي الإجمالي (T). يمكن تلخيص بنود المعادلة الرئيسية للظاهرة النقدية في أربعة عوامل:

دعنا نأخذ مثال على ذلك: إذا كان المعروض النقدي M يتزايد بنسبة 10% سنوياً وكان الاقتصاد T ينمو بمعدل 3% سنوياً، فسوف يتطلب توازن المعادلة أن يتحرك مستوى السعر P صعوداً. زيادة الأسعار تعني حدوث التضخم. ولهذا السبب نحرص جميعاً على مراقبة بيانات المعروض النقدي التي تصدرها البنوك المركزي الكبرى حتى برغم أن مؤشرات اقتصادية غيرها قد استحوذت على أهمية كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

سنذكر فيما يلي حالتين للدلالة على أن معادلة سعر الصرف وبرغم أهميتها إلا أنها لا تفسر كل شيء.

أظهرت التقارير التي أصدرها البنك المركزي الأوروبي خلال السنوات الأولى لمزاولة مهامه ارتفاع المعروض النقدي M بوتيرة سريعة تراوحت بين 7 إلى 9% لعدة أشهر وبرغم ذلك ظل القلق بشأن التضخم محدود للغاية. تفسير ذلك هو استمرار انخفاض الأجور آنذاك على الأقل في الاقتصاد الرئيسي في منطقة اليورو، أي ألمانيا. يشير مستوى الأسعار P إلى أسعار السلع والخدمات والتي تساهم الأجور بنسبة كبيرة في تحديدها.

عندما بدأ الاحتياطي الفيدرالي في عام 2008 برنامجه للتسهيل الكمي عن طريق الشراء النقدي لأسهم الخزانة الأمريكية، فإن المركزي الأمريكي في واقع الأمر كان يقدم النقود إلى البنوك لدعم السيولة والتي كان من المتوقع بطبيعة الحال أن توجهها إلى زيادة معدلات الإقراض. برغم ذلك، أظهر الواقع العملي أن تلك البنوك فشلت في إقراض الأموال التي حصلت عليها ولجأت بدلاً من ذلك إلى إيداعها لدى الاحتياطي الفيدرالي والحصول على فائدة عوضاً عن ذلك. في هذا المثال كان هناك نمو بالفعل في المعروض النقدي M وبكميات هائلة، إلا أن معدل دوران النقود أو V كان صفر أو حتى عند قيمة سلبية ولهذا لم نشهد أي ضغوط تضخمية على جانب الاقتصاد الحقيقي من المعادلة. قد يبدو من المدهش أن العديد من المحللين والمعلقين لم يتمكنوا من إدراك هذه الحقيقية بسبب تغافلهم عن أهمية معامل سرعة الدوران. يمكنك أن ترى هذه الحقائق من خلال الاطلاع على الشكل التوضيحي أدناه والذي حصلنا عليه من موقع الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، والذي ينشر بصفة دورية بيانات ومخططات بيانية رائعة لشرح السياسة النقدية. إذا راودتك في أي وقت شكوك حول السياسة النقدية في الولايات المتحدة فإن الموقع الإلكتروني لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس هو المكان الأنسب للتعرف بنفسك على كافة الحقائق التي يشوهها المحللون في بعض الأوقات.

 دوران المخزون النقدي M2
دوران المخزون النقدي M2 من 2006 وحتى 2016. المصدر الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس .

لماذا يتمتع التضخم بتلك الأهمية

كما ناقشنا في درس العوامل المؤثرة على أسعار العملات، يتمتع التضخم بأهمية كبيرة لأن ارتفاع هيكل التكلفة في بلد ما بدرجة تتجاوز مثيله لدى إحدى شركائه التجاريين، سيجعل من هذا البلد في نهاية المطاف غير قادر على تصدير منتجاته إلى الشريك التجاري – بافتراض أن تسعير المنتجات يتم وفق أليات السوق. وبالتالي سيحتاج هذا البلد كي يستعيد قدرته التنافسية على التبادل التجاري إلى خفض التكلفة عن طريق الحصول على مواد خام أرخص، أو خفض الأجور — أو تخفيض قيمة عملته الوطنية.

البحث عن المواد الخام الأرخص أو حتى بعض مزايا التكلفة الأخرى كان هو المحرك الرئيسي للحملات الاستعمارية واحتلال أراضي الغير على مر القرون الماضية. لم يعد هذا الخيار متاحاً في العصر الحديث وبالتالي لا تجد الحكومات بداً من إدارة اقتصادها للسيطرة على التضخم والحفاظ على ميزاتها التنافسية. وفي كثير من الأحيان تبدو السياسة النقدية هي الأداة الوحيدة المتاحة في يد الحكومة لتحقيق هذا الهدف، ما لم تكن راغبة في فرض قيود على الرواتب والأسعار.

تحتاج الحكومات إلى إدارة الاقتصاد بدرجة أو بأخرى حتى في الأسواق المالية الأكثر تقيداً بآليات السوق الحرة لأن عدم القيام بذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، على الأقل من الناحية السياسية. فزيادة عدد المتضررين من ارتفاع معدلات التضخم قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالحكومة الحالية. يؤدي التضخم إلى تآكل المدخرات وهو ما يؤثر بشكل أكبر على المتقاعدين كما يضعف من القوة الشرائية لباقي المستهلكين. أيضاً من بين الظواهر المتعارف عليها عند ارتفاع التضخم هو سعي التجار إلى تخزين بضائعهم بسبب الاعتقاد أن قيمتها سترتفع في القريب العاجل وهو ما يؤدي إلى نقص حاد في العديد من السلع الأساسية. أبرز مثال على ذلك هو فترة التضخم الهائل التي مرت بها ألمانيا ما بين عامي 1921 – 1924 والتي خلقت استياء شعبي أدى في نهاية المطاف إلى ظهور النازيين والذين عززوا حظوظهم لاحقاً مع الإهانة التي لحقت بالكرامة الوطنية للألمان بعد أن طالبت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بالحصول على تعويضات من حكومتها المفلسة.

أهمية التوقعات

كما هو الحال مع العديد من البيانات الاقتصادية الأخرى، يأتي التأثير الأكبر للتضخم من زاوية التوقعات بأكثر من التأثير الذي تحدثه الأرقام الفعلية. كما قد يأتي التأثير نتيجة الاختلاف بين الأرقام المتوقعة والصادرة. على سبيل المثال، إذا كانت معدلات التضخم مستقرة عند مستويات متدنية مقارنة بالنطاق المرغوب من قبل البنك المركزي، ثم حدث ارتفاع مفاجئ في الضغوط التضخمية فإن هذا قد يدفع البنك المركزي إلى اتخاذ نهج أكثر تشدداً للسياسة النقدية. الارتفاع المتوقع في أسعار الفائدة يؤثر عادةً بالإيجاب على سعر صرف العملة، على الأقل بصورة مؤقتة. تتأثر جميع العملات بالتوقعات حول الخطوات القادمة للبنوك المركزية والتي بدورها تعتمد بصفقة رئيسية على توقعات التضخم.

يراقب محللي الفوركس دائماً مؤشر اقتصادي يطلق عليه فجوة الناتج. يشير هذا المصطلح إلى الطاقة غير المستغلة والتي يمكن قياسها بدرجة أكبر في الصناعات التحويلية والأنشطة الصناعية الأخرى (مثل التعدين وإنتاج الكهرباء وما إلى ذلك). قد تبدو هذه المؤشرات للوهلة الأولى غير مرتبطة بالسياسة النقدية، ولكن دعنا نعود مرة أخرى إلى الجزء الأيمن من معادلة فيشر والذي يتعلق بما نطلق عليه اليوم الناتج المحلي الإجمالي أو T. إذا كان المنتجون في الاقتصاد قادرون على إنتاج 100 وحدة — عند العمل بأقصى طاقة ممكنة — ولكن إنتاجهم اليوم يقتصر على 70 وحدة، فإن الـ 30 وحدة الناقصة هي التي يطلق عليها فجوة الناتج والتي تؤدي بدورها إلى ارتفاع معدل التضخم (في الواقع العملي فإن استغلال 70% من القدرات المتاحة هي نسبة كبيرة جداً). مثال على ذلك: عندما أعلنت الشركات الأسترالية الكبرى العاملة في مجال استخراج الموارد الطبيعية عن تقليص استثماراتها الرأسمالية في قطاع التعدين (في 2013) بسبب الانخفاض المتوقع في الطلب من الصين والأسواق الناشئة الأخرى، تراجع الدولار الأسترالي تحسباً لإمكانية خفض البنك المركزي لأسعار الفائدة. لم يكن لهذا القرار علاقة مباشرة بمعدلات التضخم إلا أن العملة تأثرت نتيجة الزيادة المتوقعة في فجوة الناتج الإجمالي.

قاعدة تايلور

سيساعدك فهم قاعدة تايلور على استيعاب الوظيفة الرئيسية للبنك المركزي، والتي تتمثل في إبقاء الاقتصاد على مسار النمو الحقيقي وليس الناجم عن الضغوط التضخمية. تعتبر إدارة التضخم هي المهمة الرئيسية والصريحة التي يضطلع بها البنك المركزي الأوروبي فيما تضاف مهمة الإبقاء على معدلات البطالة عند مستويات مقبولة إلى قائمة واجبات الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة.

تمزج قاعدة تايلور بين توقعات التضخم وفجوة الناتج الإجمالي. جون تايلور هو أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد والذي وضع هذه القاعدة في عام 1993 وتم تبنيها لاحقاً على نطاق واسع في الأوساط الاقتصادية. ترى قاعدة تايلور أن البنوك المركزية يمكنها تطبيق أفضل السياسات النقدية عندما تقوم برفع أو تخفيض أسعار الفائدة قصيرة المدى عند ارتفاع التضخم بوتيرة سريعة للغاية أو كان النمو الاقتصادي بصدد إغلاق فجوة الناتج المحلي. يستخدم معدل البطالة باعتباره المؤشر الرئيسي للدلالة على حجم فجوة الإنتاج. وبالتالي ينبغي على السياسة النقدية الحصيفة أن ترفع أسعار الفائدة بنسبة أكبر من معدلات التضخم المتوقعة.

في الوقت الحالي هناك أكثر من صيغة لقاعدة تايلور حيث أضاف بعض الأكاديميين عوامل أخرى وإن ظل المبدأ الرئيسي كما هو — تكمن مهمة السياسة النقدية في احتواء التضخم دون خنق النمو الاقتصادي. لا تقدم قاعدة تايلور إجابة حول المستوى الأمثل لسعر الصرف ولكنها تدفع متداولي الفوركس إلى البحث سريعاً عن أي اختلافات قد تظهر في هذا الصدد. إذا عدنا إلى مثال الدولار الأسترالي المذكور أعلاه، لوحظ أن بيانات التوظيف كانت هي العامل الأكثر أهمية في تحريك الدولار الأسترالي على مدار أكثر من عام في أعقاب الصدمة الأولية لخفض خطط الإنفاق الرأسمالي من قبل شركات التعدين، والذي كان من المفترض أن يؤدي إلى ارتفاع في الطاقات غير المستغلة. عندما كانت أرقام التوظيف تصدر عند مستويات منخفضة جداً، أو على الأقل دون المتوقع، كان الدولار الأسترالي يتراجع على الفور مع ظهور الحديث عن خفض أسعار الفائدة. وعندما بدأت بيانات التوظيف في التحسن صعد الدولار الأسترالي بشكل قوي لأن هذا التحسن كان من المفترض أن يسهم في تضييق فجوة الناتج المحلي وهو ما سيزيد بالتبعية من احتمالات رفع سعر الفائدة. لاحظ أن الأجور، والتي تعتبر العامل التضخمي الحقيقي، لم تكن تحظى بالمتابعة الأكبر مقارنة مع أرقام البطالة. ما نقصده هنا هو أن بعض المؤشرات والتي قد تبدو للوهلة الأولى غير مرتبطة بالسياسة النقدية يمكن أن ينظر إليها باعتبارها عنصر أصيل في رسم مسارات السياسة النقدية في المستقبل.

اختبار:

1. ما هما العاملين الأكثر أهمية بالنسبة للسياسة النقدية؟

2. برامج التسهيل الكمي هي طريقة لزيادة المعروض النقدي وبالتالي الضغوط التضخمية.

3. الهدف الرئيسي للبنك المركزي هو منع ارتفاع التضخم.

4. التوقعات بشأن التضخم هي أكثر أهمية من التضخم ذاته.

فعله