بين المطرقة والسندان: معضلة الاختيار بين أسعار الصرف الثابتة مقابل تعويم أسعار الصرف

I. أنظمة أسعار الصرف الدولية

تواجه أي دولة عند صياغة سياستها النقدية معضلة يطلق عليها الاقتصاديون مسمي "الثالوث غير المقدس". أتت هذه التسمية بسبب حقيقة انه على الرغم من أن البلدان تبذل قصارى جهدها, إلا أنها في النهاية لا يمكنها سوي تحقيق اثنين من هذه النقاط في أي وقت من الأوقات. النقاط الثلاثة لهذا الثالوث هي السياسة النقدية السيادية للدولة, حرية تدفق رأس المال, وأسعار الصرف الثابتة. مفهوم السياسة النقدية السيادية ربما يشرح نفسه باعتبار انه يسمح للبلد بالتكيف مع الظروف الداخلية لها بأكثر من اعتمادها على اللاعبين الخارجيين. توفر أسعار الصرف الثابتة القدرة على التنبؤ وهو الأمر الذي يشجع عادة الاستثمارات الاقتصادية والنمو داخل البلد. في العصر الجديد للتكنولوجيا, فان حرية تدفق رأس المال باتت احد المسلمات المفروغ منها نظرا لعدم جدوى وضع قيود مشددة على حركتها. هذا الأمر يترك للبلد حرية الاختيار بين مزايا التنبؤ التي توفرها أسعار الصرف الثابتة أو متطلبات مرونة سياستها النقدية.

البيئة الحالية لأنظمة أسعار الصرف العالمية هي نتاج لانهيار نظام بريتون وودز في عام 1970. هذا النظام الذي وضعته الولايات المتحدة وحلفائها في أعقاب الحرب العالمية الثانية, قام بتأسيس إمكانية التحويل المباشر بالدولار الأمريكي إلى الذهب فضلا عن تحويل العملات الأخرى إلى الدولار الأمريكي. هذا الأمر تطلب من الولايات المتحدة أن تحتفظ باحتياطيات كافية من الذهب لتغطية كامل قيمة الدولارات المتداولة في العالم في أي فترة زمنية. استمر هذا النظام حتى قررت الولايات المتحدة رفض تحمل عبء المضاربات على أسعار الذهب. مع نهاية عصر قابلية تحويل الدولار إلى ذهب, فان باقي دول العالم بات يتعين عليها بناء إطار سياسة أسعار الصرف الخاصة بكل منها على حدا. بعض البلدان اختارت الاستمرار في سياسة تثبيت أسعار الصرف, بينما فضل البعض الأخر اتخاذ نهج أكثر مرونة. من الهام ملاحظة انه حتى في حالة ما يسمي بأنظمة أسعار الصرف المرنة فان الحكومة تضطر في بعض الأوقات إلى التدخل في السوق لحماية مصالحها.

احد الأشكال الرئيسية لما يسمي ببرامج أسعار الصرف الثابتة هو المعروف باسم الدولرة (Dollarization), و مؤخرا ما يطلق عليه باليوررة(Euroization). وفق هذا النظام, فان البلد المعني يعتمد على الدولار الأمريكي أو عملة أجنبية أخرى باعتبارها عملته الرسمية. هذا النهج يوفر بعض المزايا حيث يسمح للبلد بترك القرارات المتعلقة بسياستها النقدية إلى بلد أكثر تقدما يعرف ببلد المرساة. برغم ذلك, فان الأمر لا يخلو من المتاعب, لان البلد في هذه الحالة تضحي بإمكانية إنشاء سياسة نقدية خاصة بها باعتبارها تعتمد في النهاية على بلد أخرى للحفاظ على قيمة عملتها. بالإضافة إلى ذلك, فان إجمالي المعروض النقدي في البلد يظل مقتصرا على الأموال التي يمكن أن تجنيها عبر الصادرات أو الاقتراض أو التحويلات المالية المرسلة من مواطنيها العاملين بالخارج. هذا النهج يمنع أيضا البنك المركزي في هذا البلد من القيام بدور مقرض الملاذ الأخير للنظام المصرفي باعتبار انه ليس لديه السيطرة على العملة التي يستند عليها المعروض النقدي في البلد. من أمثلة البلدان التي قامت بتطبيق سياسة الدولرة هي بنما والتي استخدمت الدولار الأمريكي كعملتها الرسمية منذ عام 1904 وأيضا الإكوادور التي اتخذت نفس الخطوة في العام 2000. عملية الدولرة يمكن أن تحدث أما من جانب واحد أو بشكل ثنائي إذا اتخذ القرار بالتنسيق مع البلد التي سيتم استخدام عملتها.

احد الأنواع الأخرى لنظام أسعار الصرف الثابتة هو ما يسمي بمجلس العملة. ينطوي مجلس العملة على تحديد سعر صرف ثابت بين العملة الوطنية وعملة أخرى تسمي عملة الربط أو الارتكاز. يستند النظام بأكمله على مبدأ التحويل التلقائي ما يعني أن العملة الوطنية يمكن تحويلها في أي وقت إلى عملة الربط. يتطلب الاحتفاظ بمجلس للعملة التزام طويل الأجل بهذا النظام لضمان الاستقرار أمام المواطنين والمستثمرين. الدولة التي تقوم بتفعيل نظام مجلس العملة يتعين عليها أيضا الاحتفاظ باحتياطيات كافية من العملات الأجنبية لتغطية المعروض النقدي في هذا البلد. ويستلزم هذا وضع سعر للتحويل بين العملة الوطنية وعملات الربط. هذا النظام يحد من قدرة الدولة على وضع سياسة نقدية خاصة بها لأنها تعتمد بشكل رئيسي على سياسة نقدية لبلد عملة الارتكاز على الرغم من أن الأمر لا يكون بالصورة الموجودة في حالة البلدان التي تنتهج سياسة الدولرة. وللحفاظ على قدر اكبر من المصداقية, فان مجلس العملة لا يمكنه ضبط أسعار الصرف من خلال عمليات السوق المفتوحة وهو الأمر الذي يزيل احد الأدوات الهامة من الترسانة الحكومية. العديد من البلدان استخدمت أنظمة مجلس العملة مثل الأرجنتين وهونج كونج و جنوب أفريقيا وبلغاريا. وفى حالة الأرجنتين فان هذا النظام ساعدها على كبح جماح التضخم لعدة سنوات خلال عقد التسعينات إلا انه انهار في نهاية المطاف نتيجة الضغوط الاقتصادية المحلية ما أدي إلى وضع ترتيبات أخرى أكثر قدرة على التكيف معها.

احد الأنظمة الأخرى ضمن سياسة تثبيت أسعار الصرف هو ما يسمي بالربط الثابت والذي تقوم وفقا له البلد بوضع سعر صرف ثابت لعملتها الوطنية مقابل عملة أو سلة من العملات. المثال الأبرز على هذا النظام هي الصين. خلال الفترة ما بين عامي 1994 إلى 2005, احتفظت الصين بسعر صرف ثابت عند 8.28 يوان أمام الدولار الأمريكي. وخلال هذه الفترة لم تسمح الصين سوى ببعض التغيرات الطفيفة في سعر صرف عملتها المحلية ولكن بشكل عام احتفظت بسيطرة صارمة على أسعار الصرف. برغم ذلك فان هذا النهج أدي إلى زيادة الاتهامات الخارجية, خصوصا في جانبها السياسي, والتي تدعي أن الحكومة الصينية تقوم اليوان بأقل من قيمته الحقيقية لتشجيع صادراتها. الاحتفاظ بسعر صرف ثابت يمكن أن يعرض هذه البلدان إلى خطر استهدافهم من قبل المضاربين في حال ما كانت عملتها مقاومة بأكثر من قيمتها.

المثال الأخير على نظام سعر الصرف الثابت هو الاتحاد النقدي. وفق هذا النظام, يتم تطبيق سياسة نقدية موحدة على مستوى عدة بلدان. نظام الاتحاد النقدي قد يتضمن استخدام عملة موحدة أو إتاحة حرية التحويل بين عدة بلدان داخل هذا الاتحاد. وفق هذا النظام أيضا يقوم بنك مركزي واحد بوضع السياسة النقدية بديلا عن البنوك المركزية المحلية. المثال الأبرز على الاتحاد النقدي في عالم اليوم هو الاتحاد الأوربي والذي قام بتوحيد معظم أوربا ضمن منطقة اليورو. ميزة مثل هذا النظام هو تقليل حدة التضارب داخل المنطقة ما يؤدي إلى تحسين الكفاءة داخل بلدان الاتحاد الأوربي. ولكن من ناحية أخرى, تكون هناك تضحية واضحة بالسياسة الوطنية وهو الأمر الذي يمكن أن يضر ببلدان الاتحاد إذا ما صادفت احدها أوضاع غير متكافئة نتيجة أزمة مالية أو ما شابه حيث تكون عاجزة عن ضبط سياساتها النقدية وفقا لذلك.

سياسة أسعار الصرف المرنة على الجانب الأخر تميل إلى التضحية بميزة التنبؤ التي توفرها أسعار الصرف الثابتة مقابل المزايا التي تتحصل عليها من اعتماد سياسة نقدية وطنية. يتشابه نظام سعر الصرف المتدرج مع نظام سياسة سعر الصرف الثابت, إلا انه يمكن تعديله وفق قواعد واضحة. في العديد من الحالات, فان هذه القواعد تكون مرتبطة بالإجراءات التضخمية والتي تسمح بدورها للحكومة بالاستجابة لما يتطلبه الموقف. يستخدم نظام سعر الصرف المتدرج من قبل البلدان التي تعاني من مستويات تضخم عالية لتجنب ارتفاع قيمة عملتها. العديد من البلدان مثل فيتنام والصين استخدمت أسلوب سعر الصرف المتدرج. هذا النظام يحاول الموازنة بين مزايا المرونة مع التثبيت والذي يحقق رغبات المستثمرين في الاستقرار. بشكل عام, كلما قلت القيود التي تضعها البلد على تعديل سعر ربط العملة, كلما قلت المزايا التي تجنيها من حيث المصداقية. وكما هو الحال مع سعر الصرف الثابت, فان نظام الصرف المتدرج قد يمثل هدفا جاذبا لعمليات المضاربة على العملة.

الخطوة الثالثة نحو عدم التدخل في أسواق العملات هي طريقة وضع نطاق لحركة أسعار الصرف. وفق هذا النظام, تسمح الحكومة لسعر الصرف بالتحرك بحرية داخل نطاق محدد. تقوم الحكومة بوضع هدف لسعر الصرف, تحدد من خلاله الهامش المقبول للتغير, وتوافق على عدم اتخاذ أي إجراء لتأثير على سعر الصرف ضمن هذه المعاملات. برغم ذلك, إذا خرج سعر الصرف عن هذا النطاق, فان الحكومة تلجأ للدفاع عنه من خلال التدخل في السوق وهو ما يعد ضروريا للحفاظ على مصداقية العملة. لا توجد قواعد نمطية لتحديد نطاق حركة العملة, الا أن الخبراء يوصون بشكل عام بان يتراوح هذا النطاق ما بين 7 إلى 10% صعودا أو هبوطا. العديد من البلدان تستخدم طريقة نطاق سعر الصرف بما في ذلك تشيلي وكولومبيا والإكوادور وفنلندا والمجر وإسرائيل والمكسيك والنرويج وبولندا وروسيا والسويد وجمهورية التشيك وسلوفاكيا. بعض هذه البلدان مثل تشيلي تسمح ببعض التعديلات الدورية لهدف سعر الصرف. المصداقية والمزايا المترتبة على نطاق سعر الصرف, تعتمد بشكل رئيسي على قوة المؤسسات المحيطة فضلا عن تصورات واضعي السياسة النقدية بشأن استعدادهم للحفاظ والدفاع عن سلامة النطاق المحدد.

النوعين الآخرين من أنظمة أسعار الصرف المرنة هما التعويم المدار وأنظمة التعويم الحر. وفقا نظام التعويم المدار, فان السلطات يمكنها التدخل للدفاع عن سعر الصرف المستهدف ولكنها لا تقوم بذلك طالما ظل سعر صرف العملة مستقرا ضمن النطاق المحدد. نظام سعر الصرف الحر يأخذ الفكرة إلى أقصي مدى حيث يسمح لسعر الصرف أن يتحدد فقط وفق قوى العرض والطلب في السوق وحدها. بينما تطبق بعض البلدان أنظمة أسعار الصرف العائمة, إلا أن الواقع العملي يظهر أن هذه الحكومات تضطر إلى التدخل في بعض الظروف المحدودة للتأثير على أسعار الصرف. فيما يتعلق بأسعار الصرف المدارة, فان عدم اليقين بشأن التدخل الحكومي يقلل من مزايا المصداقية المتوفرة في أنظمة الربط المتدرج ونطاق سعر الصرف. غياب قواعد واضحة للتدخل أيضا يقود إلى اتهامات بعدم الشفافية المحيطة بالقرارات التي تتخذها السلطات النقدية ما يقلل من الثقة في العملة. احد الأمثلة على نظام سعر الصرف العائم هو الزلوتي البولندي. حتى عام 2011, فان آخر مرة تدخلت فيها الحكومة البولندية في سوق الصرف كان في عام 1998 قبل أن تعلن بشكل رسمي عن اعتماد نظام تعويم أسعار الصرف في عام 2000.

II. وسطاء العملات الأجنبية وتجارة التجزئة

شركات الصرافة, والتي تسمي أيضا بوسطاء تبادل العملات الأجنبية أو فقط وسطاء الفوركس, هي شركات توفر التحويلات النقدية بالعملات الدولية للشركات والأفراد. سوق الصرف الأجنبي كبير للغاية حيث تبلغ حجم صفقات الوسطاء به ما يزيد عن 3 تريليون دولار يوميا. في الولايات المتحدة, جرى استبدال مواقع الصرافة التقليدية بالشركات التي تعمل عبر الانترنت مثل ترافيليكس وويلز فارجو. وسطاء العملات الأجنبية يختلفون عن متداولي الفوركس حيث يقوم الوسطاء فعليا بإجراء الصفقات استنادا على التسليم الفعلي للأموال. تتضمن هذه العملات صفقات الفوركس الفورية والتي تقوم بترتيب التسليم المادي خلال يومي عمل أو اقل بينما صفقات الفوركس الآجلة يزيد فيها تاريخ التسليم عن يومين. متداولي الفوركس والذي سيتم التعرض لهم أدناه ينخرطون في تداولات المضاربة بأكثر من التبادل الفعلي للعملات.

يتنافس وسطاء الفوركس إلى حد ما مع البنوك وشركات تحويل الأموال, إلا أنهم بشكل عام يركزون على شرائح مختلفة في السوق. كي تتمكن من التعامل مع احد وسطاء الفوركس, سيتعين عليك فتح حساب باستخدام حساب مصرفي أو بطاقة ائتمان. شركات تحويل الأموال مثل ويسترن يونيون مونيجرام لا تتطلب عادة فتح حساب لإجراء التحويلات المالية. وسطاء الفوركس أيضا يطلبون حد أدنى لمبلغ التحويل لا يقل عن 5,000 دولار أمريكي, بينما منظمات تحويل الأموال يمكنها تحويل أي مبلغ رغم أنها تفرض بعض الرسوم مقابل ذلك. البنوك بدورها تعتبر منافس مباشر بشكل اكبر لوسطاء الفوركس لأنهم يوفرون العديد من الخدمات التي يوفرها الوسطاء. في معظم البلدان, يعمل وسطاء الفوركس تحت نوع من الرقابة التنظيمية. على سبيل المثال في الولايات المتحدة, فان الوسطاء الرسمين يتعين عليهم أن يكونوا أعضاء في الهيئة الوطنية للعقود الآجلة وكذلك التسجيل كتاجر لعمولات العقود الآجلة لدى هيئة تداول العقود الآجلة. التعامل مع الوسطاء غير المسجلين قد يعرض العملاء لمخاطر خسارة أموالهم نتيجة وقوعهم كضحايا لبعض الشركات المحتالة.

على العكس من ذلك, فان تداول العملات أو ما يعرف بتجارة التجزئة يركز بشكل اكبر على المضاربة بأكثر من التسليم الفعلي للعملات. احد ابرز الأمثلة على العملات التي تستهدفها المضاربات هو راند جنوب أفريقيا والذي قد تتقلب قيمته بأكثر من 0.20$ يوميا. عن طريق شراء العملة, في حال توقع ارتفاع قيمتها, أو بيعها عند توقع تراجع قيمتها, فان المتداول الذكي يمكنه جني أرباح طائلة. شركات تداول العملات تعمل وفق النظام الهامشي والذي يعني أن المتداولين الأفراد لا يضطرون سوى إلى دفع جزء من القيمة الإجمالية للمعاملة. على سبيل المثال, لفتح مركز تداول بقيمة 100,000$ بهامش مبدئي 4%, سيتعين على المتداول الاحتفاظ بهامش مبدئي بقيمة 4,000$ فقط. هذا النظام يتيح الفرصة لتحقيق أرباح وخسائر اكبر مقارنة بالتداولات العادية. تداول العملات, خاصة عالية الكثافة, تستند على الصفقات الفورية بأكثر من نموذج المعاملات المستخدمة لدى وسطاء تبادل العملات الأجنبية.

لسنوات عديدة كانت تجارة العملات مقتصرة على المؤسسات المالية الكبرى وكبار المستثمرين. فتح حساب تداول في السابق كان يتطلب ما بين 10 إلى 50 مليون دولار أمريكي. في هذا الوقت, فان اغلب صفقات العملات كانت تتم بين البنوك بعضها البعض بأكثر من تعاملات البنوك مع العملاء. برغم ذلك, فان العديد من العوامل ساهمت في تغير هذا الوضع؛ كان من أبرزها انتشار أجهزة الحاسب الشخصية والانترنت في عقد التسعينات و بداية الألفية الجديدة. تواجد الانترنت بالإضافة إلى التداول بالهامش فتح أبواب سوق العملات أمام المستثمرين العاديين ما أدي إلى اتساع كبير في حجم السوق. في الفترة ما بين عامي 2001 إلى 2007, ارتفع إجمالي حجم سوق تبادل العملات الأجنبية بنسبة 10% سنويا, حازت التداولات بغرض المضاربة على نصيب الأسد منها. بحلول عام 2011, قدرت مجموعة Aite وجود 8.3 مليون شخص يشاركون في تداولات الفوركس بالتجزئة ضمن سوق تبلغ قيمة تداولاته اليومية نحو 315 مليار دولار. هذا الرقم يعني أن تجارة العملات تشكل ما يقرب 7.9% من إجمالي سوق تبادل العملات الأجنبية. احد العوامل التي ساهمت في ارتفاع قيمة التعاملات هو ما يسمي بالتداولات عالية الكثافة وهى احد استراتيجيات التجارة التي تستند على حجم كبير للتداول و أوامر صغيرة الحجم مصحوبة بهوامش منخفضة وفترات زمنية قصيرة للاحتفاظ بالصفقات تكون في اغلب الأحوال اقل من 5 ثواني.

وكما هو الحال في أي صناعة سريعة النمو, فان مخاطر الاحتيال ازدادت أيضا وفقا لهيئة تداول السلع الآجلة, جهة التنظيم الرسمية في الولايات المتحدة. في عام 2012, تم معاقبة مواطن أمريكي يعيش في بنما بالسجن ما يزيد عن 14 عام من قبل محكمة فيدرالية. وفقا لوثائق المحكمة, فان جيفري ورانس استخدم مخطط بونزي للاحتيال على 343 مستثمر في مبلغ يقرب من 17.6 مليون دولار. على نطاق أضيق, اعترف جريجوري بالدوين بارتكاب جريمة مماثلة في عام 2004 حين تلقي 228.500$ من 33 مستثمر قام باستخدامها في نفقاته الشخصية. السلطات دأبت على تحذير المستثمرين مرارا وتكرارا حول العروض التي تضمن لهم تحقيق أرباح سريعة بالمئات أو آلاف الدولارات مقابل استثمار أولي لا يزيد عن 5.000$. هذه العروض والتي تبدو جيدة بصورة يصعب تصديقها تكون دائما محاولات احتيالية. ظهور الانترنت ساهم في التواصل بين عدد كبير من المستثمرين الجدد, ولكنه في نفس الوقت تسبب في العديد من المخاطر الناشئة. يتعين على المستثمرين التزام جانب الحذر عند التداول مع شركات تقع في بلدان لا تتمتع ببيئة تنظيمية قوية لان العديد من هذه العروض عادة ما تكون مخططات احتيالية, وغياب التنظيم بدوره يعني أن المستثمرون قد لا يرون أموالهم مرة أخرى.

انهيار نظام بريتون وودز دفع الحكومات إلى البحث عن حلول عملية لأنظمة أسعار الصرف. البعض منهم انجذب نحو المصداقية التي توفرها أسعار الصرف الثابتة ولكنهم في الواقع العملي ضحوا في مقابل ذلك بإمكانية إتباع سياسة نقدية وطنية الأمر الذي تركه عرضه لهجمات المضاربين. البعض الأخر فضل المرونة التي يوفرها نظام تعويم أسعار الصرف إلا أنهم وجدوا أن غياب الشفافية كان له تأثير سلبي على حجم تجارتهم الخارجية. كلا النتيجتين أدي إلى بروز مناضلة ما يسمي بالثالوث غير المقدس. بغض النظر عن سياسة سعر الصرف المختارة, فان ظهور الانترنت والحواسب الشخصية سمح للمستثمرين بالمضاربة على القيمة المستقبلية للأسعار ومن ثم إمكانية تحقيق أرباح أو خسائر طائلة ولكن دون أن يتجنبوا مخاطر الوقوع كضحايا للمخططات الاحتيالية. في حالة تداول العملات جنبا إلى جنب مع سياسة أسعار الصرف, يبقي القول المأثور القديم صالحا: إذا بدا الأمر جيدا بصورة يصعب تصديقها, فانه على الأرجح.